أمَّا إذا خمدَتْ حَياتي، وانْقَضَى         عُمُري، وأخرسَتِ المنيَّة ُ نائي      

وخبا لهيبُ الكون في قلبي الذي           قدْ عاشَ مثلَ الشُّعْلة ِ الحمْراءِ     

   فأنا السَّعيدُ بأنني مُتَحـــــــوِّل              عَنْ عَالمِ الآثامِ، والبغضــاءِ

لأذوبَ في فجر الجمال السرمديِّ          وأَرْتــوي منْ مَنْهَلِ الأَضْواءِ

                                                                                 أبو القاسم الشابـــي..


عولمـــــة القهــــر.. د.جلال أمين. (إرهابيون.. ودول محبة للسلام!)

كتبهامنال عبد الله ، في 25 أبريل 2009 الساعة: 12:02 م

د. جــــــــــلال أميــــــــــــــن.

"عولمــــــة القهــــــــــر

الولايات المتحدة والعرب والمسلمون

قبل وبعد أحداث سبتمبر 2001"

دار الشـــــروق

****

مما ورد في الكتاب:

(2)

"عندما قال شكسبير عبارته الجميلة والمشهورة "ما أهمية الاسم؟ إن الوردة ستظل رائحتها ذكية أيا كان الاسم الذي نطلقه عليه"، لم يكن ليتصور ما يمكن أن تحدثه وسائل الإعلام من تخريب وتدمير لهذه القاعدة. فما أسهل على هذه الوسائل أن تجعل الشيء الجميل كريهاً والشيء الكريه جميلاً بمجرد تغيير اسمه. بل إن هذا هو ما فعلته بالضبط باسمها هي نفسها، عندما سمت تفسها "وسائل الإعلام"، وهي في معظم الأحوال لا تنشر إعلاماً يزيد من معرفتنا للأمور بقدر ما تنشر إعلاناً ودعاية تضللنا عن الحقيقة. وقد قبلنا نحن بسذاجة هذا الاسم " وسائل الإعلام" لمجرد كثرة ترديده، وقبلنا أن يكون لهذا "الإعلام " وزارة تعرف باسمه، بل ولم نجد غضاضة في أن يعامل كعلم يدرس في الجامعات في كلية تعرف باسمه أيضاً. ها هو إذن شيء كريه "غسيل المخ" يعامل وكأنه شيء جميل، بمجرد تغيير اسمه إلى "إعلام".

…إن كلمة إرهاب كلمة قديمة بالطبع في كل اللغات، ولكنها لم تستخدم بالمعنى المنتشر الآن إلا حديثاً جداً. وقد يستغرب المرء عندما يتذكر أن استخدامها في السياسة ظل وقتاً طويلاً يكاد أن يكون مقصوراً علة وصف الحكومات وليس الأفراد. فكانت تستخدم عادة لوصف حكم ديكتاتوري، فيقال إنه يقوم على نشر الإرهاب، أي تخويف الناس لتسهيل مهمة حكمهم، فاستخدم للفظ (Reign of terror) لوصف أعمال حكومة اليعاقبة في أعقاب الثورة الفرنسية، ووصفت بالإرهاب حكومة فرانكو في إسبانيا وحكومة ستالين في روسيا وحكومة بينوشيه في شيلي…إلخ. أما أن تقوم حفنة من الأفراد أو جماعة من الناس "بإرهاب" حكومتهم أو أي حكومة أخرى فكان أمراً نادر الحدوث ولا يخطر كثيراً بالبا. عندما قام مثلاً مجموعة من الشباب المصريين بمهاجمة قوات الاحتلال الإنجليزي المرابطة في قناة السويس 51-1952، قبيل قيام ثورة يوليو، في هجمات فردية وفجائية لإقلاق مضاجع الإنجليز وزرع الخوف في قلوبهم أملاً في أن يدفعهم هذا إلى الرحيل عن مصر، وهي هجمات كانت تتسم بالخطورة البالغة على حياة القائمين بها، كان هؤلاء يسمون، حتى من الإنجليز أنفسهم، "بالفدائيين"…. كذلك عندما شرع أفرد من جماعات المقاومة الفلسطينية في التسلل عبر حدود بعض الدول العربية المتاخمة لإسرائيل ومفاجأة الإسرائيلين المتاخمين على الحدود بتفجير قنبلة فيهم أو إطلاق الرصاص عليهم، قبيل وفي أعقاب الهجوم الإسرائيلي في 1967، كان هؤلاء يسمون أيضاً بالفدائيين لنفس السبب. وكانت إسرائيل تسميهم أحياناً بنفس هذا الاسم. ظللنا فترة طويلة إذن نسمي الدولة الظالمة والمستخدمة لأساليب البطش "بالإرهابية"، ونسمي من يقاوم مثل هذه الدولة "بالفدائي". 

فما الذي حدث ليقلب الأمور رأساً على عقب على النحو الذي نراه الآن، فيسمى الفدائي إرهابياً والدولة الإرهابية تسمى دولة محبة للسلام؟

التفسير في رأيي كالآتي. عندما لاح في الأفق قرب سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية كلها، منذ نحو خمسة عشر عاماً، واستلم جورباتشوف الحكم وبدأ سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي من جانب الاتحاد السوفيتي على الغرب، ومن ثم دخل الاتحاد السوفيتي في علاقات جديدة من الصداقة والوئام مع الولايات المتحدة، أدركت الولايات المتحدة أن الحياة سوف تصبح صعبة جداً، من ذلك الوقت فصاعداً، لو لم تخترع على الفور عدواً جديداً يحل محل الشيوعية، إذ إن وجود مثل هذا العدو ضروري دائماً ولا غنى بالمرة عنه.

ضروري أولاً للاستمرار في تخويف الشعب الأمريكي نفسه حتى يصبح من الممكن تبرير الإنفاق على السلاح، وعلى مختلف الأعمال الحربية في الخارج التي يعود النفع الأكبر منها على أصحاب مصانع الأسلحة بمختلف أنواعها، وتمرير الإغداق على مراكز بحوث الفضاء وتطوير السلاح.

ولكن من الضروري أيضاً تخويف شعوب الدول الحليفة في العالم الصناعي نفسه، وعلى الأخص في أوروبا، لتبرير إنفاق هذه الدول الأوربية بدورها على السلاح ولتبرير إقامة قواعد أمريكية في أوروبا، ولإرغام هذه الدول الحليفة على قبول المطالب الأمريكية في مختلف القضايا الاقتصادية والسياسية بحجة أن أمريكا هي القادرة على حماية هذا الدول الحليفة من العدو المشترك.

وأخيراً فإن خلق هذا العدو ضروري لتحويل جزء لا يستهان به من ثروات العالم الثالث "المتمتعة" بالحماية الأمريكية، لدعم الاقتصاد الأمريكي، كما رأينا المرة تلو المرة في تخويف دول الخليج من صدام حسين، وتخويف دول أمريكا اللاتينية من فيدل كاسترو، مع أن اعتبار أمثال صدام حسين في العراق أو فيدل كاسترو في كوبا أعداء خطرين يهددون سلامة الشعب الأمريكي بل والبشرية كلها، كان جديراً بإثارة الضحك بدلاً من الخوف.

اهتدى الأمريكيون إلى ابتداع هذا العدو الخطير "الإرهاب"، وهو ما ثبت أنه ملائم جداً أيضاً للإسرائيلين. وهي كلمة لو تأملتها قليلاً لوجدت أنها لا يمكن أن تصلح، في أي ظروف عادية اسماً لأي عدو على الإطلاق. "فالإرهاب" ليس دولة كالاتحاد السوفيتي والصين، وليس شخصاً كصدام حسين أو كاسترو، بل هو معنى مجرد لا يتجسد في شخص معين يمكن الإشارة إليه أو القبض عليه، ولا في دولة بعينها يمكن إطلاق النار عليها أو حصارها أو مقاطعتها اقتصادياً. إذن فوصول الأمر إلى حد إعلان أن العدو الجديد هو "الإرهاب"، هكذا دون حاجة إلى وصف ملامحه أو تحديد مكانه، وإلى أن يكون باستطاعة رئيس دولة كبيرة أن يقف ليقول بملء شدقيه إن عدونا اللدود هو الآن هذا "الإرهاب"، وأن يعلن الحرب عليه، ويتوقع أن يصدقه عدد كبير من الناس ويصفقوا له، وأن يقدموا له الدعم والتأييد، أن يصل الأمر إلى هذا الحد، فهذا هو الدليل الأكيد على حجم الهوة التي تدهورنا إليها من حيث غسيل المخ واللعب بعقول الناس، وعلى مدى التقدم الذي حققته وسائل "الإعلام" في ميدان " الإرهاب بالكلمات".

ذلك أن المطلوب الآن أن نسوي يبن أشياء مختلفة أشد الاختلاف، وفي نفس الوقت أن نميز بين أشياء ليس بينها فارق مهم على الإطلاق. فالمطلوب منا أن نعتبر ما قام به بعض الأفراد من قتل عشرات السياح في الأقصر في خريف 1997 ، ثم قيامهم بالتمثيل بجثثهم قبل أن يفروا هاربين، لا لهدف على الإطلاق إلا الإساءة عن عمد في رأيي، إلى سمعة الإسلام والمسلمين وضرب الاقتصاد المصري لعدة سنوات وإذلال  الحكومة المصرية في مواجهة مطالب واشنطون وإسرائيل، المطلوب منا أن نعتبر هذا العمل الحقير من نفس نوع قيام بعض الفلسطينين بعمل انتحاري داخل إسرائيل في محاولة أخيرة للفت أنظار العالم إلى عدالة قضيتهم وإلى بشاعة ما يفعله الإسرائيليون بهم في بلادهم هم بعد أن حولوا حياتهم إلى جحيم. المطلوب منا اعتبار هذين العملين متساويين وذلك باستخدام حيلة حقيرة هي تسميتهما بنفس الاسم وهو "الإرهاب".

من ناحية أخرى يطلب منا التمييز بين حادثتين متشابهتين من حيث درجة البشاعة والقسوة عن طريق تسميتهما باسمين مختلفين، وهما حادث قتل أربعة آلاف شخص من المدنيين الأبرياء بتفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك، والقيام بقتل الأطفال والشيوخ الأبرياء في العراق بتجويعهم ومنع وصول الدواء لهم (المقصود حصار العراق قبل 11سبتمبر). فالأول يسمى إرهاباً والثاني يسمى بمختلف الأسماء الزائفة، من الدفاع عن الشرعية الدولية إلى قيام دولة عظمى بتأديب حاكم إرهابي في العراق تصادف أنه كان قبل ذلك بوقت قصير الصديق الحميم لنفس الدولة العظمى.

والآن تعد نفس الدولة العدة للقيام بأعمال مماثلة لما فعلته في العراق في أمكنة مختلفة من العالم. فإذا أرادت الوصول إلى أفغانستان، قالت إن الإرهاب الآن في أفغانستان. وإذا أرادت ضرب العراق مرة أخرى، قالت إن الإرهاب رؤى وهو يسير في بغداد، وإذا أرادت تحقيق مشروع لإسرائيل في جنوب لبنان قالت إن معلومات جديدة وصلت بأن الإرهاب يعيش الآن في لبنان…إلخ. 

ليس من المدهش أن يمارس السياسيون مثل هذا الإرهاب بالكلمات، سواء في ذلك سياسيو الدولة التي تقوم بإرهاب الآخرين وسياسيو الدول السائرة في ركابها، ولا من المدهش أن تمارس هذا الإرهاب بالكلمات وسائل الإعلام في هذه الدول، إذ إنها تتكلم بلسان سياسييها. إنما المدهش أن نرى مثقفين ومفكرين في بلادنا وهم يستخدمون نفس الكلمات وبنفس المعاني التي أعطاها لها مبدعوها. فما أكثر المثقفين المصريين والعرب الذين استخدموا كلمة "السلام" خلال العشرين عاماً الماضية نفس هذا الاستخدام المضلل والمنافي للعقل، وها هم الآن لا يجدون غضاضة في استخدام كلمة "الإرهاب" بنفس الطريقة، حتى لو كان هذا الاستخدام ينطوي على وصف أعمال المقاومة الفلسطينية من أجل تحرير بلادهم بالإرهاب.

لم يكن شكسبير ليتصور بالطبع، منذ أربعة قرون، أن يصل الأمر إلى هذا الحد. أن تفقد الوردة الجميلة رائحتها الذكية بمجرد إطلاق اسم آخر عليها، وأن تعامل أخبث الأشياء رائحة كما تعامل الوردة الجميلة."

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قراءات |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “عولمـــــة القهــــر.. د.جلال أمين. (إرهابيون.. ودول محبة للسلام!)”

  1. جميل ماكتبتي … إنها الحرب ( الإعلامية ) السلاح الجديد

  2. أسعدتني زيارتك..
    ومشاركتك للنظرية التي يتبناهاالدكتور جلال أمين وأنا هنا أؤيدها بنقل ما ذكره عنها في كتابه، وهكذا فأنت ترى بأنها ليست من (إبداعي الشخصي!)
    دمت بخير,,

  3. الحقيقه انني وصيت على نسختي من الكتاب من اسبوعين بس ليسا ما وصلت، على ذمة صاحب المكتبه انها بالمخزن :)،
    انا مو متحمس كثير للكتاب، بس لازم أقراه.
    على أي حال انا لا أتفق كثيراً مع أي شخص يستغرب او يستهجن السياسه الامريكيه او الاسرائيليه بغض النظر عن المسميات التي يتم اطلاقها او يتم تداولها، فالموضوع نسبي و يعتمد على وجهة النظر التي تتبناها، وأنا انظر لأمريكا و اسرائيل كأعداء و ليس كحلفاء ، كما وأعتبر اننا نعيش حالة حرب و الحرب خدعه، لقد تبنيت هذا النهج من كنت طفلا، فنحن يجب ان لا نلوم الا انفسنا، فنح من نصنع مستقبلنا و نحن الذين نقرر، انريد الذهاب للجنه او للنار، فانا اتفق مع شكسبير قلبا و قالبا و أقول ان الطريق المستقيم سوف يبقى هو دائما الطريق المستقيم بغض النظر عما يمكن ان نطلق عليه من القاب و مسميات تبدأ بالرجعيه و تنتهي بالارهاب، فنحن يجب ان لا تهمنا المقاييس و لا المعايير التى تستخدمها اسرائيل و أمريكا في تحديد و تسميه أعدائهم و أحبائهم ، فنحن لنا دستورنا الخاص الا وهو القرأن الكريم و سنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فرحم الله الجواهري حين قال:

    أمة لخصوم ضدها احتكمت .. كيف ارتضيت خصيماً ظالماً حكماً
    بالمدفع استشهدي إن كنت ناطقة .. أورُمْتِ أن تسمعي من يشتكي الصمما
    و بالمظالم ردي عنك مظلمة .. أولاً فأحقر ما في الكون من ظُلِما
    سلي الحوادث و التأريخ هل عرفا .. حقاً و رأياً بغير القوة احتُرِما
    لا تطلبي من يد الجبار مرحمة .. ضعي على هامة جبارةٍ قدَما

    وأتذكر انني سمعت بيت شعر يقول:
    عاشت العرب في الخيام ملوكا … فكيف أصبحتم في القصور عبيدا

    فالملك ملكُ سواء بقصر او بخيمه و العبد عبدٌ سواء بخيمه او بقصر، فأعمال هؤلاء هي التي تحدد المسمى و ليس المسمى هو الذي يحدد الاعمال.

    على أي حال، ممكن نتناقش بالموضوع بعد ما أقرأ الكتاب.

  4. أنا متفقة معك تماماً حول أننا من يقرر مصيرنا بأنفسنا، قد تكون نظرية المؤامرة صحيحة في بعض الجوانب إلا أنه مبالغ فيها أيضاً من جوانب أخرى..
    (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به)
    سعدت لمرورك الكريم وسأكون أسعد بمناقشته معك بعد أن تطلع عليه بشكل كامل..
    دمت بخير,,



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول




 

 

المقاطعة الاقتصادية..... قـــــــوة
 

لنبذل كل ما نستطيع لنشر ثقافة المقاطعة
 

فهم يبذلون أكثر!