د. جــــــــــلال أميــــــــــــــن.
"عولمــــــة القهــــــــــر
الولايات المتحدة والعرب والمسلمون
قبل وبعد أحداث سبتمبر 2001"
دار الشـــــروق
****
مما ورد في الكتاب:
(2)
"عندما قال شكسبير عبارته الجميلة والمشهورة "ما أهمية الاسم؟ إن الوردة ستظل رائحتها ذكية أيا كان الاسم الذي نطلقه عليه"، لم يكن ليتصور ما يمكن أن تحدثه وسائل الإعلام من تخريب وتدمير لهذه القاعدة. فما أسهل على هذه الوسائل أن تجعل الشيء الجميل كريهاً والشيء الكريه جميلاً بمجرد تغيير اسمه. بل إن هذا هو ما فعلته بالضبط باسمها هي نفسها، عندما سمت تفسها "وسائل الإعلام"، وهي في معظم الأحوال لا تنشر إعلاماً يزيد من معرفتنا للأمور بقدر ما تنشر إعلاناً ودعاية تضللنا عن الحقيقة. وقد قبلنا نحن بسذاجة هذا الاسم " وسائل الإعلام" لمجرد كثرة ترديده، وقبلنا أن يكون لهذا "الإعلام " وزارة تعرف باسمه، بل ولم نجد غضاضة في أن يعامل كعلم يدرس في الجامعات في كلية تعرف باسمه أيضاً. ها هو إذن شيء كريه "غسيل المخ" يعامل وكأنه شيء جميل، بمجرد تغيير اسمه إلى "إعلام".
…إن كلمة إرهاب كلمة قديمة بالطبع في كل اللغات، ولكنها لم تستخدم بالمعنى المنتشر الآن إلا حديثاً جداً. وقد يستغرب المرء عندما يتذكر أن استخدامها في السياسة ظل وقتاً طويلاً يكاد أن يكون مقصوراً علة وصف الحكومات وليس الأفراد. فكانت تستخدم عادة لوصف حكم ديكتاتوري، فيقال إنه يقوم على نشر الإرهاب، أي تخويف الناس لتسهيل مهمة حكمهم، فاستخدم للفظ (Reign of terror) لوصف أعمال حكومة اليعاقبة في أعقاب الثورة الفرنسية، ووصفت بالإرهاب حكومة فرانكو في إسبانيا وحكومة ستالين في روسيا وحكومة بينوشيه في شيلي…إلخ. أما أن تقوم حفنة من الأفراد أو جماعة من الناس "بإرهاب" حكومتهم أو أي حكومة أخرى فكان أمراً نادر الحدوث ولا يخطر كثيراً بالبا. عندما قام مثلاً مجموعة من الشباب المصريين بمهاجمة قوات الاحتلال الإنجليزي المرابطة في قناة السويس 51-1952، قبيل قيام ثورة يوليو، في هجمات فردية وفجائية لإقلاق مضاجع الإنجليز وزرع الخوف في قلوبهم أملاً في أن يدفعهم هذا إلى الرحيل عن مصر، وهي هجمات كانت تتسم بالخطورة البالغة على حياة القائمين بها، كان هؤلاء يسمون، حتى من الإنجليز أنفسهم، "بالفدائيين"…. كذلك عندما شرع أفرد من جماعات المقاومة الفلسطينية في التسلل عبر حدود بعض الدول العربية المتاخمة لإسرائيل ومفاجأة الإسرائيلين المتاخمين على الحدود بتفجير قنبلة فيهم أو إطلاق الرصاص عليهم، قبيل وفي أعقاب الهجوم الإسرائيلي في 1967، كان هؤلاء يسمون أيضاً بالفدائيين لنفس السبب. وكانت إسرائيل تسميهم أحياناً بنفس هذا الاسم. ظللنا فترة طويلة إذن نسمي الدولة الظالمة والمستخدمة لأساليب البطش "بالإرهابية"، ونسمي من يقاوم مثل هذه الدولة "بالفدائي".
فما الذي حدث ليقلب الأمور رأساً على عقب على النحو الذي نراه الآن، فيسمى الفدائي إرهابياً والدولة الإرهابية تسمى دولة محبة



















